أكبر موقع إخباري في الصعيد

هل كان «نجيب محفوظ» عميلًا للعدو الصهيوني ؟

كتب – أحمد نبيل
ظن بعض النقاد القوميون أن الأديب العالمي نجيب محفوظ، عميلًا منظرًا للتطبيع مع العدو الصهيوني، ورأوا أنه تعمد تجاهل القضية الفلسطينية، ومعاديًا للإسلام، فأهدرت دمه الجماعات المتشددة، ما عرضه إلى محاولة اغتيال، افقدته البصر لا البصيرة.. لكنهم لم يقرأوا صاحب نوبل جيدًا.
وبالتزامن مع مرور ذكرى وفاة صاحب «أولاد حارتنا»، تقرأ لكم «التحرير» في خطابه على منصة نوبل بالعاصمة السويدية، وبعض مواقفه تجاه القضية الفلسطينية، والحضارة الإسلامية.
لم يتجاهل نجيب محفوظ القضية الفلسطينية، بل دافع دائمًا عنها، وفي الوقت الذي كان الدفاع عنها شجاعة، رجت كلماته العاصمة السويدية، قائلًا: «في الضفة الغربية وغزة أقوام ضائعون رغم أنهم يعيشون فوق أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم..
هبوا يطالبون بأول مطلب حققه الإنسان البدائي وهو أن يكون لهم موطن مناسب يعترف لهم به، فكان جزاء هبّتهم الباسلة النبيلة، رجالاً ونساءً وشبابًا وأطفالاً، تكسيرًا للعظام، وقتلاً بالرصاص، وهدمًا للمنازل، وتعذيبًا في السجون والمعتقلات، ومن حولهم مائة وخمسون مليونًا من العرب يتابعون ما يحدث بغضب وأسى، مما يهدد المنطقة بكارثة ما لم تتداركها حكمة الراغبين في السلام الشامل العادل…».
قدم «محفوظ» نفسه (بالموضوعية التي تتيحها الطبيعة البشرية)، فهو القادم من العالم الثالث، لكنه افتخر بهويته المصرية وحضارتها: «أنا ابن حضارتين تزوجتا في عصر من عصور التاريخ زواجًا موفقًا، أولاهما عمرها سبعة آلاف سنة وهى الحضارة الفرعونية، وثانيتهما عمرها ألف وأربعمائة سنة وهى الحضارة الإسلامية. ولعلي لست في حاجة إلى التعريف بأي من الحضارتين لأحد منكم».
وعن الحضارة الإسلامية، قال «لن أحدثكم عن دعوتها إلى إقامة وحدة بشرية في رحاب الخالق تنهض على الحرية والمساواة والتسامح، ولا عن عظمة رسولها. فمن مفكريكم من كرمه كأعظم رجل في تاريخ البشرية. ولا عن فتوحاتها التي غرست الآف المآذن الداعية للعبادة والتقوى والخير على امتداد أرض مترامية ما بين مشارف الهند والصين وحدود فرنسا. ولا عن المآخاة التي تحققت في حضنها بين الأديان والعناصر في تسامح لم تعرفه الإنسانية من قبل ولا من بعد..
ولكني سأقدمها في موقف درامي -مؤثر- يلخص سمة من أبرز سماتها. ففي إحدى معاركها الظافرة مع الدولة البيزنطية ردت الأسرى في مقابل عدد من كتب الفلسفة والطب والرياضة من التراث الإغريقى العتيد. وهي شهادة قيمة للروح الإنساني في طموحه إلى العلم والمعرفة..».
لمواقفه الواضحة، وإحساسه بالقضايا الوطنية، خاصةً القضية الفلسطينية، حاز «محفوظ» على تقدير العالم لأدبه وهويته، وتذكره ودون له ولأدبه، فهو مازال بيننا يكتب عن مصر الثورة وفلسطين المناضلة.
مع حلول موعد جائزة نوبل، ما بين الإعلان عن الفائز في شهر أكتوبر، وتسليم الجائزة في شهر ديسمبر عام 1988، قرر “نجيب محفوظ” أن يقرأ خطابه بهذه المناسبة بالأكاديمية السويدية الكاتب محمد سلماوى، الذي “تصور” –بحسب ما ذكره الأخير في كتابه (في حضرة نجيب محفوظ)- أن الجزء الخاص بالقضية الفلسطينية في خطاب الأديب العالمي سيعطل تسليم الجائزة، ويؤدى إلى انسحابه مع الوفد الإعلامي المصري من الاحتفالات.
ولمعرفة قوة مقولة «محفوظ» حول القضية الفلسطينية علينا أن نتذكر أن ذلك كان عام 1988، حيث لم يكن يُسمح بذكر تعبير «موطن» للفلسطينيين، فلم يكن ذلك من ضمن معطيات عملية التسوية كما هو الحال الآن، حيث مسألة الوطن الفلسطيني تكاد تكون أمرًا مسلمًا به.
ثم تأتى بعد ذلك اختيار «محفوظ» أن يذكر الانتفاضة التي كانت تقض مضجع إسرائيل، فكانت تعمد إلى تصويرها في الإعلام الدولي على أنها حركة إرهابية لكي تبرر ما تتخذه من إجراءات قمع ضد القائمين بها، أما «محفوظ» فقد سماها في خطابه «هبّة باسلة ونبيلة»، وانتقد ما تقوم به إسرائيل من «تكسير للعظام، وقتل بالرصاص، وهدم للمنازل، وتعذيب في السجون والمعتقلات»، ولم يفته أن يشير إلى الغضب المتصاعد بين 150 مليون مواطن عربي، وأن يحذر من أن ذلك يتهدد المنطقة بكارثة محققة ما لم يتم تدارك الأمر.
ولقد كتب «محفوظ» الكثير سواء في إنتاجه الأدبي أو في مقالاته الصحفية، لكنه اختار أهم لحظة في حياته، تلك التي كانت تتركز فيها أنظار العالم كله عليه، وتصغي آذان العالم كله إلى كلماته لكي يوجه إلى الضمير العالمي هذه الرسالة المتفجرة، التي تضمنت حقائق لم تكن متداولة بسهولة في الإعلام الدولي آنذاك.